يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
69
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
ضرا ولا نفعا ، ولا يستطيع عنها من المقدور دفعا ، قد وكل به شيطان يعده بالفقر ويأمره بالفحشاء ، ونفس أمارة بالسوء يخاف عليها الوقوع في المعاصي ويخشى ، والمعصوم من عصمه اللّه . وقال بعض الحكماء : إن استطعت أن لا تضر من تحب فافعل . قيل : كيف ؟ قال : نفسك أحب الأشياء إليك وأنت تضرها بالمعاصي . وقال الشاعر : ركوب المعاصي يذل النواصي * فخذ في الخلاص فما من مناص وكان الحسن رضي اللّه عنه كثيرا ما يقول : ما خير من لا يرحم نفسه . ولي في هذا المعنى : من ليس يرحم نفسه ويصدّها * عما سيهلكها فليس بمشفق في قطعة مطولة تقدم بعضها . وقال يحيى بن معاذ رضي اللّه عنه : مسكين ابن آدم جسم معيب وقلب معيب يريد أن يخرج من معيبين عملا بلا عيب . ولقد اعتذر واستقال من قال : لي نفس يسرها * كل شيء يضرها فهي تبلى مع الزمان * فيزداد شرها وقال آخر : وقد يهلك الإنسان من باب أمنه * وينجو بحول اللّه من حيث يحذر يرى الشيء مما يتقي فيخافه * وما لا يرى مما يقي اللّه أكثر وقد ذكر النقاش هذا المعنى فقال : إن اللّه تعالى يأتي بالمنفعة من حيث المضرة . قال اللّه عز وجل : فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [ القصص : 7 ] ، ويأتي بالمضرة من حيث المنفعة . قال اللّه عز وجل : فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا [ الأحقاف : 24 ] . ومن كلام الحكماء : رب مسرة هي الداء ، ومرض هو الشفاء . وإلى هذا المعنى نظر أبو الطيّب : لعل عتبك محمود عواقبه * فربّما صحت الأجسام بالعلل حدثني بعض الأصحاب عن مالك رضي اللّه عنه أنه كان له ابن أصابه الجذام ، فحبس في القصر وعولج بكل دواء فلم ينفعه ، فبينما هو ذات يوم قاعد وهو يتفكر في حاله وما يقاسي من البلاء ، إذ رأى حيّة قد خرجت من ثقب وعمدت إلى صحفة كانت في البيت فيها لبن فولغت فيه ثم انصرفت . فقال الغلام في نفسه : أقوم إلى هذا اللبن فأشربه لعل فيه سمّا من الحية فيقتلني فأستريح ، فقام إليه فشربه فكان فيه شفاؤه ، فبرأ